الشيخ الطبرسي
147
تفسير مجمع البيان
وقيل : هي الطيبات من الرزق يقول : أنفقتموها في شهواتكم ، وفي ملاذ الدنيا ، ولم تنفقوها في مرضاة الله . ولما وبخ الله سبحانه الكفار بالتمتع بالطيبات واللذات في هذه الدار ، آثر النبي ( ص ) وأمير المؤمنين ( ع ) الزهد والتقشف واجتناب الترفه والنعمة . وقد روي في الحديث أن عمر بن الخطاب قال : استأذنت على رسول الله ( ص ) ، فدخلت عليه في مشربة أم إبراهيم ، وإنه لمضطجع على خصفة ( 1 ) ، وإن بعضه على التراب ، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا ، فسلمت عليه ، ثم جلست فقلت : يا رسول الله ! أنت نبي الله وصفوته ، وخيرته من خلقه ، وكسرى وقيصر على سرر الذهب ، وفرش الديباج والحرير ؟ فقال رسول الله ( ص ) : ( أولئك قوم عجلت طيباتهم ، وهي وشيكة الانقطاع ، وإنما أخرت لنا طيباتنا ) . وقال علي بن أبي طالب ، عليه أفضل الصلوات ، في بعض خطبه : ( والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ، ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها ؟ فقلت : اغرب عني ، فعند الصباح يحمد القوم السرى ) . وروى محمد بن قيس ، عن أبي جعفر الباقر ( ع ) أنه قال : " والله إن كان علي ( ع ) ليأكل أكلة العبد ، ويجلس جلسة العبد ، وإن كان ليشتري القميصين فيخير غلامه خيرهما ، ثم يلبس الآخر ، فإذا جاز أصابعه قطعه ، وإذا جاز كعبه حذفه ، ولقد ولي خمس سنين ، ما وضع آجرة على آجرة ، ولا لبنة على لبنة ، ولا أورث بيضاء ولا حمراء ، وإن كان ليطعم الناس على خبز البر واللحم ، وينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير ، والزيت والخل ، وما ورد عليه أمران كلاهما لله ، عز وجل ، فيه رضى ، إلا أخذ بأشدهما على بدنه . ولقد أعتق ألف مملوك من كد يمينه ، تربت منه يداه ، وعرق فيه وجهه . وما أطاق عمله أحد من الناس بعده ، وإن كان ليصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، وإن كان أقرب الناس شبها به علي بن الحسين ( ع ) ، ما أطاق عمله أحد من الناس بعده " . ثم إنه قد اشتهر في الرواية أنه ( ع ) لما دخل على العلاء بن زياد بالبصرة يعوده ، قال له العلاء : يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد ، لبس
--> ( 1 ) الخصفة : الجلة تعمل من الخوص للتمر ،